الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

444

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وحده ، أي عدم إطعامه أحدا معه ، أو عدم إطعامه المحاويج إغضاء عن بعض مراتب شكر النعمة ، وكذلك منعه الرفد ، ومثله : ضربه عبده فإن فيه نسيانا لشكر اللّه الذي جعل العبد ملكا له ولم يجعله ملكا للعبد فيدل على أن ما هو أشد من ذلك أولى بوصف الكنود . وقيل التعريف في الْإِنْسانَ للعهد ، وأن المراد به الوليد بن المغيرة ، وقيل : قرطة بن عبد عمرو بن نوفل القرشي . واللام في لِرَبِّهِ لام التقوية لأن ( كنود ) وصف ليس أصيلا في العمل ، وإنما يتعلق بالمعمولات لمشابهته الفعل في الاشتقاق فيكثر أن يقترن مفعوله بلام التقوية ، ومع تأخيره عن معموله . وتقديم لِرَبِّهِ لإفادة الاهتمام بمتعلق هذا الكنود لتشنيع هذا الكنود بأنه كنود للرب الذي هو أحق الموجودات بالشكر وأعظم ذلك شرك المشركين ، ولذلك أكد الكلام بلام الابتداء الداخلة على خبر ( إنّ ) للتعجيب من هذا الخبر . وتقديم لِرَبِّهِ على عامله المقترن بلام الابتداء وهي من ذوات الصدر لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف ، وابن هشام يرى أن لام الابتداء الواقعة في خبر ( إنّ ) ليست بذات صدارة . وضمير وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ عائد إلى الإنسان على حسب الظاهر الذي يقتضيه انتساق الضمائر واتحاد المتحدث عنه وهو قول الجمهور . والشهيد : يطلق على الشاهد وهو الخبر بما يصدّق دعوى مدع ، ويطلق على الحاضر ومنه جاء إطلاقه على العالم الذي لا يفوته المعلوم ، ويطلق على المقر لأنه شهد على نفسه . والشهيد هنا : إما بمعنى المقر كما في « أشهد أن لا إله إلا اللّه » . والمعنى : أن الإنسان مقر بكنوده لربه من حيث لا يقصد الإقرار ، وذلك في فلتات الأقوال مثل قول المشركين في أصنامهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] . فهذا قول يلزمه اعترافهم بأنهم عبدوا ما لا يستحق أن يعبد وأشركوا في العبادة مع المستحق للانفراد بها ، أليس هذا كنودا لربهم ، قال تعالى : وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ [ الأنعام : 130 ] ، وفي فلتات الأفعال كما يعرض للمسلم في المعاصي .